مقال - بقلم: حجاي العاد... مدير عام جمعية حقوق المواطن
اكواب من الشاي ملزم المرء بان يحتسيها حتى عندما لا يكون عطشا: 'فهم لا يريدون أن يعترفوا بانهم يحققون معك؛ يقولون انهم فقط يريدون ان يتحدثوا معك بنبرة ودية. ولكن برأيي لو كان الحديث يدور عن ود حقيقي، فعندها يكون بوسعي أن اقرر اذا كنت سأقبل الدعوة الى احتساء الشاي معهم أم لا'.
هذا ليس وصفا من مواطن اسرائيلي دعي الى 'حديث ودي' لدى جهاز الامن العام 'الشاباك' – المخابرات. في اسرائيل لا يدعون للشاي. الاقتباس هو من اقوال نشيط حقوق انسان في الصين، كما استعرضت مؤخرا في الراديو الوطني في الولايات المتحدة. اما اسرائيل، خلافا للصين، فانها تعلن عن كونها ديمقراطية. ولهذا عندنا الشرطة السرية لا تدعو لاحتساء الشاي. بدلا من ذلك، تتصل 'رونا' من الشاباك او يأتي اليك افراد من الشرطة يحملون استدعاءا للتحقيق. وفي السياق يتبين أن في واقع الامر لا يدور الحديث عن تحقيق بل عن 'حديث' في أنك لست مشبوها في شيء ولكن ايضا محظور عليك أن توثق 'الحديث' و 'اننا نتحدث فقط ونريد في واقع الامر أن نساعدك'.
وعلى ماذا يتحدثون هناك، مع كوب شاي ام بدونه؟ الى جانب التجربة المتجسدة بعض الشيء في جمع المعلومات فان جوهر الحديث في الشاباك كما يتبين هو محاولة لمساعدة المواطنين من المحافظين على القانون من أن يخرجوا على سبيل الخطأ عن الطريق المستقيم. الشاباك يشخص في مساعيه السرية المواطن الاسرائيلي الذي قد يكون يقترب بسذاجته دون ان يعرف من حافة خرق القانون، ويسعى الى مساعدته في الا يفشل، قبل أن يقع.
جورج اورويل نفسه ما كان ليصيغ ذلك على نحو افضل. خبراء وزارة الحقيقة ما كانوا ليجيدون الامر افضل من 'رونا' ورفاقها في اعطاء غطاء مريح ظاهرا لما هو عمليا شبكة مخطط لها جيدا من احاديث التهديد من جانب وكلاء جهاز الامن العام، احاديث جوهرها واحد ووحيد: تقييد غير قانوني لحرية التفكير والعمل السياسي.
واضح بان احدا، بما في ذلك النشطاء السياسيين، لا ينبغي ان يكون فوق القانون. غير أنه ليس واضحا على الاطلاق بفعل أي صلاحية في القانون يعمل الشاباك بمبادرته الى هذه 'الاحاديث'؛ مشكوك فيه اكثر دور الشرطة في منح الغطاء لذلك.
ما هو واضح تماما ان الحديث يدور عن نشطاء سياسيين يتلقون من السلطات رسالة واضحة بموجبها النشاط الاحتجاجي الشرعي الذي يشاركون فيه يجعلهم 'مستهدفين'. المعنى الخطير لاجراء 'الحديث' في هذه الظروف سبق أن ذكر به المستشار القانوني للحكومة: في الدولة الديمقراطية الانسان لا يدعى الى 'أحاديث' مع اجهزة الامن بالنسبة للمظاهرات التي يشارك فيها وليس مطالبا باعطاء الحساب على ارائه السياسية او شرحها لاحد من الشرطة السرية. هذه المحاولات الخطيرة لتقييد التعبير السياسي الحر تعرض للخطر بشكل حقيقي الشخصية المتبقية من الديمقراطية الاسرائيلية.
الصين ليست وحيدة فها هي روسيا، قوة عظمى ديمقراطية اخرى، صادق فيها مجلس النواب على مشروع قانون يسمح للشرطة السرية هناك بان 'تحذر بشكل رسمي مواطنين من شأن نشاطهم الى يؤدي الى خرق مستقبلي للقانون' (نيويورك تايمز، 16 تموز). نشطاء حقوق الانسان في روسيا لاحظوا بان الحديث يدور عن ممارسة سيئة الصيت من عهد الـ كي.جي.بي ، والتي استخدمت مرات عديدة ضد معارضي النظام في تلك السنين.
اسرائيل ليست الصين او روسيا. وكي لا نشبههما، حان الوقت لدعوة الشاباك الى حديث مع كوب من الشاي. ليس النشطاء الذين يتصرفون قانونيا يحتاجون الى مثل هذا الحديث، بل جهاز الامن الذي يخرقه: ليس ببراءة يقترب الشاباك من انتهاك المعايير الديمقراطية وليس السهو البريء هو الذي ينبغي تحذيره منه.
خلافا لاحاديث التحذير من الشاباك والذي يحاولون اخفاؤه عن الجمهور، هذا الحديث، عن المعايير المناسبة للديمقراطية جدير أن يدار علنا وبشكل اكثر عمومية، كما هو جدير بالنظام الديمقراطي. وكلما حرص مواطنو الدولة على الا يدوس الشاباك بقدم فظة حرية التعبير وحرية التفكير عندنا، فسيكون بوسعنا أن نواصل اجراء هذا الحديث الديمقراطي الحرج. في اسرائيل 2010 هذا أمر ليس مفهوما من تلقاء ذاته.